مجمع البحوث الاسلامية

197

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

لما كان لهذا الأمر ، في قوله تعالى : يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا هذا الوقع الصّادع على نفس إبراهيم ، ولأفلت من يده ما كان ممسكا به من المجادلة ، لأنّه كان قد جادل فعلا ، وانتهى الأمر . أمّا في هذه الحالة ، فهو لا يزال يسأل ربّه العفو والرّحمة لهؤلاء القوم ، ولا تزال الكلمات على شفتيه . فإذا سمع أمر اللّه بالإعراض عن هذا ، أمسك لسانه وابتلع ما كان يجري عليه من كلمات . وفي التّعبير عن مراجعة إبراهيم ربّه في قوم لوط بالجدل وتسميته جدلا ، إشارة إلى أنّ ما كان من إبراهيم هو مجرّد جدل ، وأنّ الجدل لا يثمر ثمرا نافعا ، ولا يبلغ بصاحبه غاية . وقد أشار القرآن الكريم إلى ما كان من إبراهيم في هذا المقام ، فقال تعالى : وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ . . . [ إلى نحن أعلم بمن فيها ] وأنت ترى أنّ إبراهيم كان مجادلا للملائكة ، ولم يكن مجادلا للّه . ولكنّهم إذ كانوا رسل اللّه ، والأمناء على ما أرسلوا به ، فقد جعل جدله للملائكة جدلا للّه سبحانه وتعالى . وفي هذا تكريم لرسل اللّه ، وإضافة لهم إلى اللّه ربّ العالمين . ( 6 : 1174 ) طه الدّرّة : يُجادِلُنا مضارع والفاعل يعود إلى إبراهيم ، و ( نا ) مفعول به ، ( في قوم ) متعلّقان بما قبلهما ، و ( قوم ) مضاف ، و ( لوط ) مضاف إليه ، وجملة يُجادِلُنا . . . في محلّ نصب خبر ل « أخذ » محذوفا ، وهو من أفعال الشّروع . أو هي في محلّ نصب حال ، عامله محذوف ، التّقدير : أقبل يجادلنا . . . وعلى هذين التّقدير فالجملة الفعليّة جواب ( لمّا ) لا محلّ لها . هذا وقيل : إنّ الجواب هو جملة يُجادِلُنا . . . على تأويل المضارع بالماضي ، و ( لمّا ) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له . ( 6 : 342 ) مكارم الشّيرازيّ : إيضاح : هذه الصّفات المذكورة لإبراهيم في المجادلة تشير إلى أنّ مجادلته كانت ممدوحة ؛ وذلك لأنّ إبراهيم لم يتّضح له أنّ أمر العذاب صادر من قبل اللّه بصورة قطعيّة ، بل كان يحتمل أنّه لا يزال لهم حظّ في النّجاة ، ويحتمل أنّهم سيرتدّون عن غيّهم ويتّعظون . ومن هنا فما زال هناك مجال للشّفاعة لهم ، فكان راغبا في تأخير العذاب والعقاب عنهم ، لأنّه كان حليما ، ومشفقا وأوّاها ومنيبا إلى اللّه . فعلى هذا قال بعضهم : إذا كانت مجادلة إبراهيم مع اللّه فلا معنى لها ، وإذا كانت مع رسله فهم أيضا لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا من أنفسهم ، فعلى كلّ حال فالمجادلة هذه غير صحيحة . والجواب أنّه لا كلام في الحكم القطعيّ . أمّا لو كان الحكم غير قطعيّ فمع تغيير الظّروف وتبدّل الأوضاع يمكن تغييره ، لأنّ طريق الرّجوع لم يزل مفتوحا ، وبتعبير آخر فإنّ الأوامر في هذه الحالة مشروطة لا مطلقة . وأمّا من احتمل أنّ المجادلة كانت مع الرّسل في شأن نجاة المؤمنين ، استشهدوا على هذا القول بالآيتين ( 31 ، 32 ) من سورة العنكبوت وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا . . . . فهذا الاحتمال غير صحيح ولا ينسجم مع الآية الّتي تأتي بعدئذ ، وهي محلّ بحثنا .